ابن عطية الأندلسي
172
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 83 إلى 84 ] وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ ( 83 ) وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ( 84 ) المعنى : « واذكروا إذ أخذنا » ، وقال مكي رحمه اللّه : « هذا هو الميثاق الذي أخذ عليهم حين أخرجوا من صلب آدم كالذر » ، وهذا ضعيف ، وإنما هو ميثاق أخذ عليهم وهم عقلاء في حياتهم على لسان موسى عليه السلام وغيره من أنبيائهم عليهم السلام ، وأخذ الميثاق قول ، فالمعنى قلنا لهم لا تَعْبُدُونَ ، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي « لا يعبدون » بالياء من أسفل ، وقرأ الباقون بالتاء من فوق ، حكاية ما قيل لهم ، وقرأ أبي بن كعب وابن مسعود « لا تعبدوا » على النهي . قال سيبويه : لا تَعْبُدُونَ متعلق لقسم ، والمعنى وإذ استخلفناكم واللّه لا تعبدون ، وقالت طائفة : تقدير الكلام بأن لا تعبدوا إلا اللّه ، ثم حذفت الباء ثم حذفت أن فارتفع الفعل لزوالها ، ف لا تَعْبُدُونَ على هذا معمول لحرف النصب ، وحكي عن قطرب أن لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ في موضع الحال أي أخذنا ميثاقهم موحدين ، وهذا إنما يتجه على قراءة ابن كثير ، ونظام الآية يدفعه مع كل قراءة ، وقال قوم لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ نهي في صيغة خبر ، ويدل على ذلك أن في قراءة أبي لا تعبدوا . والباء في قوله وَبِالْوالِدَيْنِ قيل هي متعلقة بالميثاق عطفا على الباء المقدرة أولا على قول من قال التقدير بأن لا تعبدوا ، وقيل : تتعلق بقوله و إِحْساناً والتقدير قلنا لهم لا تعبدون إلا اللّه ، وأحسنوا إحسانا بالوالدين ويعترض هذا القول بأن المصدر قد تقدم عليه ما هو معمول له ، وقيل تتعلق الباء بأحسنوا المقدر والمعنى وأحسنوا بالوالدين إحسانا ، وهذا قول حسن ، وقدم اللفظ بِالْوالِدَيْنِ تهمما فهو نحو قوله تعالى إِيَّاكَ نَعْبُدُ [ الفاتحة : 5 ] وفي الإحسان تدخل أنواع بر الوالدين كلها ، وَذِي الْقُرْبى عطف على الوالدين ، و الْقُرْبى بمعنى القرابة ، وهو مصدر كالرجعي والعقبى ، وهذا يتضمن الأمر بصلة الرحم ، وَالْيَتامى : جمع يتيم كنديم وندامى ، واليتم في بني آدم فقد الأب ، وفي البهائم فقد الأم ، وقال عليه السلام : « لا يتم بعد بلوغ » ، وحكى الماوردي أن اليتيم في بني آدم في فقد الأم ، وهذا يتضمن الرأفة باليتامى وحيطة أموالهم ، وَالْمَساكِينِ : جمع مسكين وهو الذي لا شيء له ، لأنه مشتق من السكون وقد قيل : إن المسكين هو الذي له بلغة من العيش ، وهو على هذا مشتق من السكن ، وهذا يتضمن الحض على الصدقة والمواساة وتفقد أحوال المساكين . وقوله تعالى : وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً ، أمر عطف على ما تضمنه لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وما بعده من معنى الأمر والنهي ، أو على أحسنوا المقدر في قوله وَبِالْوالِدَيْنِ ، وقرأ حمزة والكسائي « حسنا » بفتح الحاء والسين ، قال الأخفش : هما بمعنى واحد كالبخل والبخل ، قال الزجاج وغيره : بل المعنى في القراءتين وقولوا قولا حسنا بفتح السين أو قولا ذا « حسن » بضم الحاء ، وقرأ قوم « حسنى » مثل فعلى ، ورده سيبويه لأن أفعل وفعلى لا تجيء إلا معرفة إلا أن يزال عنها معنى التفضيل وتبقى مصدرا كالعقبى ، فذلك جائز ، وهو